ابن عطية الأندلسي

137

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقال ابن جريج : « كان الأحبار يحضون الناس على طاعة اللّه ، وكانوا هم يواقعون المعاصي » . وقالت فرقة : كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون . وقوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ معناه : تدرسون وتقرءون ، ويحتمل أن يكون المعنى تتبعون أي في الاقتداء به ، و الْكِتابَ التوراة وهي تنهاهم عما هم عليه من هذه الصفة الذميمة . وقوله تعالى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ معناه : أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم ؟ والعقل : الإدراك المانع من الخطأ مأخوذ منه عقال البعير ، أي يمنعه من التصرف ، ومنه المعقل أي موضع الامتناع . وقوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قال مقاتل : « معناه على طلب الآخرة » . وقال غيره : المعنى استعينوا بالصبر عن الطاعات وعن الشهوات على نيل رضوان اللّه ، وبالصلاة على نيل الرضوان وحط الذنوب ، وعلى مصائب الدهر أيضا ، ومنه الحديث : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة ، ومنه ما روي أن عبد اللّه بن عباس نعي إليه أخوه قثم ، وهو في سفر ، فاسترجع وتنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته ، وهو يقرأ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ . وقال مجاهد : الصبر في هذه الآية الصوم ، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر ، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهوات ويزهد في الدنيا ، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع . ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة . وقال قوم : « الصبر » على بابه ، وَالصَّلاةِ الدعاء ، وتجيء هذه الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى : إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ [ الأنفال : 45 ] لأن الثبات هو الصبر ، وذكر اللّه هو الدعاء . واختلف المتأولون في قوله تعالى : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ على أي شيء يعود الضمير ؟ فقيل على الصَّلاةِ ، وقيل على الاستعانة التي يقتضيها قوله وَاسْتَعِينُوا ، وقيل على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة . وقالت فرقة : على إجابة محمد صلى اللّه عليه وسلم . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وفي هذا ضعف ، لأنه لا دليل له من الآية عليه . وقيل : يعود الضمير على الكعبة ، لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا أضعف من الذي قبله . و « كبيرة » معناه ثقيلة شاقة ، والخاشعون المتواضعون المخبتون ، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع . و يَظُنُّونَ في هذه الآية قال الجمهور : معناه يوقنون . وحكى المهدوي وغيره : أن الظن هنا يصح أن يكون على بابه ، ويضمر في الكلام بذنوبهم ، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين .